الشيخ محمد النهاوندي

59

نفحات الرحمن في تفسير القرآن

على دين عيسى ، وصدّقوا محمّدا صلّى اللّه عليه وآله ، وكان جمع من الأنصار - قبل قدوم النبيّ صلّى اللّه عليه وآله - منهم : أسعد بن زرارة ، والبراء بن معرور ، ومحمّد بن مسلمة ، وأبو قيس صرمة بن أنس ، كانوا موحّدين يغتسلون من الجنابة ، ويقومون بما يعرفون من شرائع الحنيفيّة ، حتّى بعث اللّه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله فصدّقوه ونصروه « 1 » . وعلى أي تقدير ، ذكر اللّه سبحانه وجه عدم المساواة بين المؤمنين منهم والكافرين ، وهو أنّ المؤمنين منهم أُمَّةٌ وجماعة قائِمَةٌ بالعدل ، مستقيمة في العقائد والأعمال ، لا يتحرّفون إلى الباطل ، ولا يميلون إلى الفساد ، وهم يَتْلُونَ ويقرأون بخلوص النّيّة آياتِ اللَّهِ القرآنية آناءَ اللَّيْلِ وساعاته وَهُمْ في حال تلاوتهم يَسْجُدُونَ . قيل : إنّ السّجود كناية عن الصّلاة لعدم الفضيلة لتلاوة القرآن في السّجود ، بل ثبوت كراهيّتها لقول النبيّ صلّى اللّه عليه وآله : « ألا إنّي نهيت أن أقرأ راكعا وساجدا » « 2 » . ووجه التّعبير عن الصّلاة بالسّجود كونه أعظم أجزائها ، وأشرف أركانها ، وأدلّ على كمال الخضوع . وإنّما صرّح بتلاوتهم القرآن في الصّلاة ، مع اشتمال كلّ صلاة عليها ، لزيادة تحقيق المخالفة بين هؤلاء وغيرهم من منكري القرآن ، لتوضيح عدم المساواة بينهم وبين الّذين وصفهم اللّه - آنفا - بالكفر بالنبيّ وكتابه . ولعلّ هذا هو الوجه في تقديم هذا الوصف في الذّكر على توصيفهم بالإيمان بقوله : يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ إيمانا حقيقيّا ، مطابقا لما نطق به الشّرع ، ورضي به اللّه . فيدخل في الإيمان الحقيقي باللّه الإيمان بملائكته وكتبه ورسله وبخاتم النّبيّين صلّى اللّه عليه وآله وبالقرآن المجيد . وفي الإيمان بالآخرة تصديق خلافة أمير المؤمنين ووجوب طاعته وطاعة المعصومين من ذرّيّته ، والبراءة من أعدائهم ، والقيام بأداء الفرائض ، والتّحرّز عن المحرّمات . وحاصل الآيتين من قوله : أُمَّةٌ قائِمَةٌ إلى هنا ، مدحهم بكمال القوة النظريّة والعمليّة . ثمّ بعد مدحهم بكمالهم في أنفسهم ، مدحهم بأنّهم غير مقتصرين على ذلك ، بل يكون همّهم معدّ إلى إرشاد النّاس وتكميلهم ، بقوله : وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ . عن ابن عبّاس رضى اللّه عنه : يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ أي بتوحيد اللّه ، وبنبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ أي ينهون عن الشّرك باللّه ، وعن إنكار نبوّة محمّد صلّى اللّه عليه وآله « 3 » . أقول : الظّاهر أنّ المراد من المعروف والمنكر هو الأعمّ من العقائد والأعمال .

--> ( 1 ) . تفسير أبي السعود 2 : 73 . ( 2 ) . تفسير أبي السعود 2 : 73 ، تفسير روح البيان 2 : 81 . ( 3 ) . تفسير الرازي 8 : 190 .